الشنقيطي

494

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عبد اللّه خمارا على كثرة شربه للخمر : « لا تلعنه فإنه يحب اللّه ورسوله » بمنزلة قوله : لا تلعنوا كل من يحب اللّه ورسوله . وفي قوله : « إن اللّه ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس » بمنزلة قوله : ينهيانكم عن كل رجس . وفي أن قوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [ الأنعام : 145 ] : نهى عن كل رجس . وفي أن قوله في الهرة : « ليست بنجس لأنها من الطوافين عليكم والطوافات » . بمنزلة قوله : كل ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس ، ولا يستريب أحد في أن من قال لغيره : لا تأكل من هذا الطعام فإنه مسموم - نهي له عن كل طعام كذلك ، وإذا قال : لا تشرب هذا الشراب فإنه مسكر - فهو نهي له عن كل مسكر . ولا تتزوج هذه المرأة فإنها فاجرة ، وأمثال ذلك الخطأ . الثاني - تقصيرهم في فهم النصوص ؛ فكم من حكم دل عليه النص ولم يفهموا دلالته عليه . وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه ، وإشارته وعرفه عند المخاطبين . فلم يفهموا من قوله تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [ الإسراء : 23 ] ضربا ولا سبا ولا إهانة غير لفظة : « أفّ » فقصروا في فهم الكتاب كما قصروا في اعتبار الميزان الخطأ . الثالث - تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه ، وجزمهم بموجبه لعدم علمهم بالناقل . وليس عدم العلم علما بالعدم . وقد تنازع الناس في الاستصحاب ، ونحن نذكر أقسامه ، ثم شرع رحمه اللّه يبين أقسام الاستصحاب ، وقد ذكرنا بعضها في سورة « براءة » وجعلها هو رحمه اللّه ثلاثة أقسام ، وأطال فيها الكلام . والمعروف في الأصول أن الاستصحاب أربعة أقسام : الأول - استصحاب العدم الأصلي حتى يرد الناقل عنه وهو البراءة الأصلية والإباحة العقلية ؛ كقولنا : الأصل براءة الذمة من الدين فلا تعمر بدين إلا بدليل نافل عن الأصل يثبت ذلك . والأصل براءة الذمة من وجوب صوم شهر آخر غير رمضان فيلزم استصحاب هذا العدم حتى يرد ناقل عنه ، وهكذا . النوع الثاني - استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه ، كاستصحاب بقاء النكاح وبقاء الملك وبقاء شغل الذمة حتى يثبت خلافه . الثالث - استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع ، والأكثر على أن هذا الأخير ليس بحجة . وهو رحمه اللّه يرى أنه حجة . وكلا الأولين حجة بلا خلاف في الجملة . الرابع - الاستصحاب المقلوب ، وقد قدمنا إيضاحه وأمثلته في سورة « التوبة » .